سيد محمد طنطاوي

136

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

التي تفسد المجتمع . فإذا كانت عصابة تعمل لجمع الرجال على النساء وتخطف النساء لذلك الغرض ، أو كانت عصابة لتجميع المواد المخدرة المحرم دينا وقانونا تناولها ، فإنهم يكونون كقطاع الطريق ، ويدخلون في باب الحرابة « 1 » . 3 - تدل الآية بظاهرها على أن المحاربين يعاقبون في الدنيا والآخرة ، ولا يكون العقاب الدنيوي طهرة لهم ولو كانوا مسلمين لقوله - تعالى - * ( ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) * . قال القرطبي : فقوله : * ( ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ) * لشناعة المحاربة ، وعظم ضررها وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر ، لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس . لأنه إذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر ، واحتاجوا إلى لزوم البيوت ، فانسد باب التجارة عليهم ، وانقطعت أكسابهم ، فشرع اللَّه على قطاع الطريق الحدود المغلظة ، وذلك الخزي في الدنيا ردعا لهم عن سوء فعلهم ، وفتحا لباب التجارة التي أباحها اللَّه لعباده . وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي ومستثناة من حديث عبادة بن الصامت في قول النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له » . ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب ، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا ، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره . ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم ، ولكن يعظم عقابه لعظم ذنبه ، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة وهذا الوعيد كغيره مقيد بالمشيئة ، وله - تعالى - أن يغفر هذا الذنب » « 2 » . 4 - دل قوله - تعالى - : * ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) * على أن توبة المحاربين قبل الظفر بهم ، تسقط عنهم حد المحاربين المذكور في الآية ، إلا أن كثيرا من الفقهاء قالوا إن الذي يسقط عنهم هو ما يتعلق بحقوق اللَّه ، أما ما يتعلق بحقوق العباد فلا يسقط عنهم بالتوبة قبل القدرة عليهم . قال القرطبي : قوله - تعالى - : * ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) * : استثنى - جل شأنه - التائبين قبل أن يقدر عليهم ، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله : * ( فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * . أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط ، وظاهر الآية أن من تاب بعد القدرة عليه فتوبته لا تنفع ، وتقام الحدود عليه كما تقدم » « 3 » .

--> ( 1 ) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة . مجلة لواء الإسلام العدد السابع . السنة العشرون . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 157 . ( 3 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 185 .